الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
269
تفسير روح البيان
نزلت في التوحيد بحسب الرتبة اى اقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا فان أول رتبة التوحيد من طرفنا توحيد الافعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ إفهام الناس نزل إلى مقام توحيد الصفات بقوله الرحمن الرحيم ثم إلى توحيد الافعال ليستدل به عليه فقال ان في خلق الآية كذا في التأويلات القاشانية * ومن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار اليه في قوله ان في خلق إلخ يعنى ان الحكمة في خلق هذه الأشياء ان يكون كل شئ مظهر آية من آيات اللّه ولا فائدة لهذه الأشياء من الآيات المودعة فيها فان فائدتها عائدة إلى الإنسان لأنهم قوم يعقلون الآيات كما قال سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فالعالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان لان العالم مظهر آيات الحق والآيات المرئيات الإنسان والإنسان مظهر معرفة الحق ولهذا قال وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ اى ليعرفون فلو لم يكن لأجل معرفة اللّه ما خلق الإنسان ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه كما قال للنبي عليه الصلاة والسلام ( لو لاك لما خلقت الكون ) وكان العالم مرآة يظهر فيه آيات كمال الحق وجلاله والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم وما يظهر فيه كما قال تعالى وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وهذا تحقيق قوله ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) لان نفسه مرآة جمال ربه وليس أحد غير الإنسان يشاهد حال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإراءة الحق كما قال سَنُرِيهِمْ آياتِنا إلخ فاعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان قوله عليه الصلاة والسلام ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللّه اللّه ) يعنى إذا مات الإنسان الذي هو يقول اللّه اللّه قامت القيامة فلم تبق السماوات والأرض لان وجودهما كان تبعا لوجود الإنسان فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع كذا في التأويلات النجمية * فعلى السالك ان يصل بالذكر الحقيقي إلى المقصود الأصلي فان التوحيد ينفى الباطل وينفى الأغيار * روى عمران بن حصين قال قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لأبي حصين ( كم تعبد اليوم من اله ) فقال اعبد سبعا ستا في الأرض وواحدا في السماء قال ( وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك ) فقال الذي في السماء فقال عليه الصلاة والسلام ( فيكفيك اله السماء ) ثم قال يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك فأسلم حصين ثم قال يا رسول اللّه علمني هاتين الكلمتين فقال عليه الصلاة والسلام ( قل اللهم ألهمني رشدى وأعذني من شر نفسي ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ من لابتداء الغاية متعلق بيتخذ ودون في الأصل ظرف مكان استعمل هنا بمعنى غير مجازا والاتخاذ بمعنى الصنع والعمل متعد إلى مفعول واحد وهو هنا قوله أَنْداداً هي الأصنام التي بعضها أنداد لبعض اى أمثال أو أنها أنداد للّه تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة من حيث إنهم كانوا يرجون من عندها النفع والضرر وقصدوها بالمسائل وقربوا لها القرابين فارجاع ضمير العقلاء إليها في قوله تعالى يُحِبُّونَهُمْ مبنى على آرائهم الباطلة في شأنها من وصفهم بما لا يوصف به الا العقلاء أو هي الرؤساء الذين يطيعونهم * قال القاضي ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن اللّه تعالى فإنه قال الصوفية والعارفون كل شئ شغلت به قلبك سوى اللّه تعالى فقد جعلته في قلبك ندا له تعالى ويدل عليه قوله